بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 7 فبراير 2011

قضية العلمانية والدين في البلاد الغربية


قضية العلمانية والدين في البلاد الغربية


 إذا استمعت إلى ما يقوله بعض العلمانيين في بلادنا خيّل إليك أن العلاقة بين الدين والدولة أو بين الدين والسياسة لم تعد قضية في البلاد الغربية، وأن القوم هناك قد اتفقوا جميعاً المؤمنون منهم بالأديان وغير المؤمنين على أن الدولة يجب أن تكون علمانية وأن الدين لا دخل له بالشؤون العامة، بل يجب أن يكون محصوراً في الحياة الخاصة. لكنك إذا تتبعت ما يقوله الغربيون أنفسهم، ولا سيما في الولايات المتحدة تبين لك أن الأمر على غير ما صور لك أولئك العلمانيون في بلدك، وتبين لك أن هذه القضية ما زالت تثير عند أولئك القوم معارك حامية الوطيس، وما يزال كثير من الناس فيها يتجادلون، وعنها يكتبون ويخطبون، وبسببها يتحزبون، وعلى أساس منها يصوتون. بل إذا تُرجمت لك معاركهم الكلامية في هذه المسألة، وأُخفي عنك المكان الذي دارت فيه فلربما تخيلت أنها تدور في بلد إسلامي. وإليك أمثلة على ذلك:
التقيت منذ سنين في مؤتمر عالمي برجل أمريكي نصراني عرف أنني مستمسك بديني، فقال لي ناصحاً: لا تُخدعوا كما خُدعنا بالعلمانية، كنا نظنها نظاماً محايداً بين الأديان؛ فإذا بها دين مُعادٍ للأديان. استغربت كما لا بد أن يكون بعض القراء قد استغربوا في أن يأتي مثل هذا الكلام من رجل غربي. لكن هذا الشعور بخطر العلمانية على النصرانية بدأ الآن يزداد، حتى إن أستاذ فلسفة كاثولوكي نشر كتاباً في عام 1996م نصح فيه إخوانه النصارى قائلاً: من أهم مسائل هذا الكتاب أننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في تصنيفاتنا الحالية وصفوفنا الحالية. إننا بحاجة إلى أن ندرك أولاً: أننا في حالة حرب، وثانياً: أن الأطراف قد تغيرت تغيراً جذرياً. كثيرون ممن كانوا أعداءنا (المسلمون مثلاً) هم الآن أصدقاؤنا، وبعض من كانوا أصدقاءنا الإنسيون (humanists) مثلاً هم الآن أعداؤنا(1).
لكن الحملة النصرانية ضد العلمانية ازدادت ضراوة إبّان الانتخابات الأمريكية التي صوَّر المحافظون فيها الحزب الديمقراطي بأنه حزب العلمانية والليبرالية، والحزب الجمهوري بأنه الحزب المناصر للدين والقيم الخلقية.
فهذا أحدهم يكتب مقالاً بعنوان: الدين في مواجهة العلمانية(2) يبدؤه بقوله: لقد أصبح الدين واحداً من أعظم العوامل التي تحدد لك كيف تصوِّت. إن الذين يكثرون من الصلاة يميلون إلى أن يصــوتوا للحـزب الجمهـوري، والذيـن لا يفعلون هذا يميلون للتصويت للحزب الديمقراطي. لقد أظهر آخر استطلاع أن 63% من الذين يشهدون مناسبات دينية أكثر من مرتين في الأسبوع يقولون: إنهم سيصوتون للجمهوريين، بيـنما يقــول 62% من الذيــن لا يشهدون مثل هذه المناسبــات أو لا يشهدونها إلا نادراً: إنهم سيصوتون للديمقراطيين. لقد صار غير المتدينين هؤلاء قوة كبيرة في داخل الحزب الديمقراطي؛ يُخشى أن يحولوه إلى حزب علماني.
ثم يشكو من كون الإعلام يركز على سيطرة المحافظين الجدد والنصارى المتعصبين من أمثال (فولويل). لكنه ـ أي الإعلام ـ نادراً ما يقول شيئاً عن سيطرة غير المتدينين على الحزب الديمقراطي. وينقل عمن وصفهما بـ (عالِمَي اجتماع) واهتمامهما بهذه القضية قولهما: إنه منذ عام 1992م درج من سبعين إلى ثمانين بالمئة من العلمانيين الليبراليين على التصويت للمرشح الديمقراطي، بينما درج ما يقارب ثلثي المتدينين المحافظين على التصويت للمرشح الجمهوري. وينقل عن امرأة محافظة قولها عن الطريقة التي يصوت بها الناخبون: «إنها في الحقيقة فاصل على خط ديني بين من يعتقدون في حلول بشرية لمشكلاتنا وبين من يعتقدون في حلول مبنية على الإيمان». وهو يفسر موقف الإعلاميين ذاك بقوله: «ربما لأن الصحفيين الذين ينتجون معظم الأخبار في أمريكا هم من المناصرين مناصرة كاملة لأعداء المؤمنين». وينقل عن بعض الإحصاءات أن ما يقرب من ثلث هؤلاء الإعلاميين يعتقدون أن المسيحيين المنصرين خطر على الديمقراطية، وأن نصفهم يرى أن هؤلاء لهم قوة سياسية زائدة عن الحد. إن ما يقرب من نصف هؤلاء الإعلاميين يصرحون بأنهم لا دين لهم، وما يقرب من ثمانين بالمئة منهم لا يكادون يذهبون إلى الكنيسة.
من أبرز ما ظهر بهذا الصدد في الأشهر الأخيرة من انتخابات الرئاسة كتاب لمؤلف مسيحي مشهور عنوانه: الاضطهاد، كيف أن الليبراليين يشنون حرباً على المسيحية(1). ظل هذا الكتاب لمدة خمسة أسابيع على رأس قائمة جريدة (النيويورك تايمز) لأكثر الكتب شراء. كان مما قاله هذا المؤلف في مناسبة دينية دعي لها:
نحن في أتون حرب ثقافية ـ يعنون بالثقافة هنا المعتقدات والقيم في هذا البلد ـ. أعتقد أن المسيحيين هم الهدف الأساس للعلمانيين الإنسيين (secular humanists) النشطين في حرب الثقافة هذه. إن نظرتنا المسيحية العالمية كلها محاصرة. لقد صارت القيم العلمانية هي المسيطرة في بلدنا، وهذا أمر يجب أن يحظى باهتمامنا.
وذكر أن من وسائل العلمانيين في محاربة المسيحية إبعادها من المجال العام، وأنهم يعتمدون في هذا على تفسير غير صحيح للمادة الدستورية المتعلقة بما عرف بفصل الدين عن الدولة. إنهم يفسرونها بالفصل الكامل بين المعتقدات الدينية والحياة العامة، لكنه ـ وهو رجل قانون ـ يقول: إن هذا لم يكن مقصود الآباء المؤسسين، هكذا يسمون واضعي دستورهم؛ لقد كان مقصودهم في نظره هو حماية الحرية الدينية بمنع الكونغرس والحكومة الفدرالية من إنشاء كنيسة قومية.
إن في الولايات المتحدة ظاهرة يسمونها بالحرب الثقافية (حرب الاعتقادات والقيم) ما تزال تزداد مع مرور الأيام استعاراً. لقد كُتبت فيها وفي أسبابها ومخاطرها وطرق علاجها كتباً وبحوثاً كثيرة، وما يزال المحافظون والليبراليون يتهم بعضهم بعضاً بأنهم السبب في زيادة حدة هذه الحرب. ينقل صاحب هذا المقال عن بعضهم قوله: إن الديمقراطيين هم السبب في هذا؛ لأنهم هم الذين جروا الحزب الديمقراطي إلى اليسار. إن كثيراً من العلمانيين والليبراليين ومن يمكن تسميتهم بأعداء المتدينين هم الآن ديمقراطيون لدرجة أن بعضهم صار يسمي الحزب الديمقراطي بالحزب الذي لا مكان فيه لله.
ومع أن أوروبا هي الآن أقلّ بلاد الدنيا تديناً إلا أنه مما أثار حنق الكثيرين من المتدينين فيها، ولا سيما رجال الكنيسة الكاثولوكية أن الدستور الجديد للاتحاد الأوروبي جاء علمانياً خالصاً لا ذكر فيه للنصرانية، حتى باعتبارها من المكونات التاريخية للثقافة الغربية.
في أكتوبر من العام الماضي 2004م قال الكارديـنال راتزنجر ـ وهو كما يقال أحد المرشحين لمنصب البابوية ـ في إحدى المناظرات مبدياً قلقه من تزايد العلمانية بالاتحاد الأوروبي: إن العلمانية تقوم على مذهب وضعي يؤدي إلى اعتناق النسبية، وإنه إذا صارت النسبية مطلقة فإنها ستكون متناقضة مع نفسها، وتؤدي إلى تدمير العمل البشري. وقال: إن من الأسباب التي سُوِّغ بها إغفال ذكر النصراينة أن ذكرها كان سيؤدي إلى إثارة حفيظة المسلمين، لكن الحقيقة كما يقول: هي أن الذي يغضب الإسلام: هو الإساءة إلى الذات الإلهية، والغطرسة العقلانية اللتان تنتجان الأصولية الدينية(2). إن العلمانية كما يقول هذا الكاردينال: عقيدة جزئية لا يمكن أن تستجيب لكل التحديات البشرية. العقل بالعكس ـ كما يقول ـ ليس عدواً للإيمان، لكن المشكلة تنشأ عندما يكون هنالك احتقار للخالق وللمقدسات. وقال عن الحرية: إنها تفهم اليوم فهماً فردياً مع الناس أنهم إنما خلقوا ليتعايشوا. إن هنالك حرية مشتركة تضمن الحرية للجميع، وتمنع جعل الحرية مطلقة(3).
لقد صارت العلمانية في نظر بعض المتدينين الغربيين أيديولوجية تحدُّ من الحرية. وفي هذا الصدد يقول رئيس رابطة أطباء كاتالونيا المسيحيين بإسبانيا لموقعZenit.org النصراني: إنه إذا كنا قد تحدثنا في الماضي عن أيديولوجيات هدامة: كالفاشية، والماركسية؛ فإننا نشاهد في العلمانية اليوم تقليصاً لحرية التعبير، ولممارسة التدين. ضرب بعض الأطباء الكاثوليك أمثلة على ذلك بأنه يكاد يكون من المستحيل اليوم أن تحصل على لقب طبيب نساء(gynecologist) إذا لم تكن قد أجريت عملية إجهاض، وأنهم في فرنسا يمنعون من وضع لافتات تعلن عن مؤتمراتهم بحجة أن هذا مظهر ديني لافت للنظر!(4)

القسطية لا الديمقراطية


القسطية لا الديمقراطية



الديمقراطية هي الفتنة الجديدة التي ابتلي بها المسلمون، بل الناس عامة. وزاد من الافتتان بها أن الولايات المتحدة، ولا سيما في عهد رئيسها الحالي، جعلت نشرها من أكبر أهدافها التي تنفق في سبيلها الأموال الطائلة وتقيم الحروب الطاحنة، وجعلت الالتزام بها هو معيار تقدم الأمة واستحقاقها لصداقة الولايات المتحدة، أو هكذا
ومما جعل مناقشتها مع مؤيديها والدعاة إليها والراضين بها من المسلمين أمراً صعباً أنه لم يعد لها معنى واحد عند الداعين إليها. بل صارت تشير إلى معان عدة يختار كل واحد منهم ما شاء منها، ولا يدري أن صاحبه يشير بالكلمة إلى معنى غير المعنى الذي يقصده هو.
هذا الاختلاف في مفهوم الدمقراطية أمر يشكو منه كبار منظِّريها وفلاسفتها المعاصرين؛ فهذا أحدهم يقول ما ترجمته:
هنالك ميل إلى وصف النظام بالديمقراطي فقط لأننا نوافق عليه. ولكننا عندما نفعل ذلك إنما نتحدث عن آرائنا لا عن النظام.
ويقول:
المعتقد عموماً أن «الدمقراطية» عبارة صارت تستعمل استعمالاً واسعاً جعلها كلمة غامضة، بل كلمة لا معنى لها. إن كل شكل من أشكال التنظيمات في المجال السياسي (بل وغير السياسي) أصبح يوصف بالدمقراطية أو الدمقراطي(1).
سنحاول فيما يلي مناقشة صلة الدمقراطية بالإسلام بحسب المعاني المختلفة التي يقصدها أنصارها من المسلمين؛ لأن الإنسان إنما يسأل عن المعنى الذي قصده من عبارته، حتى لو كان استعماله للعبارة خطأ.
وقد أدرنا الحوار في مسائل الدمقراطية هذه بين مسلميْن يدعو أحدهما إلى نظام سياسي إسلامي خالص يسميه القِسْطِيَّة، وآخر من دعاة الدمقراطية.
■ يبدأ القِسْطي الحوار بقوله:
دعونا نتفق أولاً على ما نعنيه بالقسطية، وما نعنيه بالدمقراطية. أما القسطية فهي كما يدل عليها لفظها الحكم بالقِسْط. والحكم بالقسط هو الحكم بما أنزل الله تعالى. وما أنزل الله يشمل الأحكام الجزئية التي تدل عليها الأدلة التفصيلية من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم -، ويشمل المبادئ الأساسية التي يسميها الفقهاء بكليات الشريعة التي تقرر فيما تقرر أن كل ما حقق القسط فهو من شرع الله، فتفتح الباب واسعاً للاستفادة من كل تجربة بشرية نافعة أياً كان مصدرها.
وإذا كانت القسطية هي الحكم بما أنزل الله؛ فإن الدمقراطية هي الحكم بما يراه الشعب. هذا هو معناها الذي يدل عليه لفظها، وهو المعنى المتفق عليه بين منظِّريها. حكم الشعب معناه أن الشعب صاحب السيادة العليا في المسائل التشريعية، وأنه لا سلطة فوق سلطته التشريعية، وعليه فإن كل ما حكم به فيجب أن يكون هو القانون الذي يخضع له كل مواطن من مواطني القطر الذي اختار الدمقراطية نظاماً سياسياً له.
لا يمكن لإنسان يدعي الإسلام ويعرف معناه أن يؤمن بالدمقراطية بهذا المعنى؛ لأنه إيمان يتناقض تناقضاً بيناً مع أصل من أصول الإيمان التي جاء بها دينه، والتي تؤكدها كثير من آيات الكتاب وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم -.
من ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ فَإن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْـجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 49 - 50].
{أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا * وَإذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْـمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61]،
{إنَّا أنزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} [النساء: 105]، {إنِ الْـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40].

ماذا تعني أنت بالإسلام، وما ذا تعني بالدمقراطية؟

ـ الدمقراطي: أما الإسلام فأظننا متفقون على معناه، وأما الدمقراطية؛ فأنا لا أعني بها ما ذكرت. هل تتوقع من إنسان مسلم أن يقول إن من حق الناس أن يشرعوا تشريعات لم ياذن بها الله؟
ـ ماذا تعني بها إذن؟
ـ لقد عانت الشعوب العربية كثيراً من الحكم الفردي الدكتاتوري. فالذي أريده هو أن يستبدل بهذا الحكم حكم دمقراطي يكون من حق الشعب فيه أن يختار حكامه في انتخابات حرة نزيهة، وأن يحاسبهم، وأريده ان يكون حكماً يلتزم بما يسمى بحكم القانون فلا يفرق بين الناس في المعاملة، وأن يكون حكماً يستمتع الناس فيه بحقهم في الحرية، حرية التعبير، وحرية الحركة، وحرية تكوين الأحزاب والجماعات، وأن يكون حكماً يتميز بتداول السلطة، وأن يكون حكماً شفافاً لا تحاك الأمور فيه في الظلام بل تُعرض على الناس ليقولوا فيها رأيهم. فحكم الشعب في رأيي ليس المقصود به المقابلة بين ما يراه الشعب وما يحكم به الخالق سبحانه، وإنما المقصود به حكم الشعب في مقابلة حكم الفرد.
ـ الاستعمال الصحيح للكلمات هو أن يقصد بها المعنى المتفق عليه بين مستعمليها، ولا سيما المختصين منهم بالأمر. فاستعمالك لكلمة الدمقراطية بهذا المعنى المحدود هو استعمال غالط؛ لأنه إذا كانت الدمقراطية هي حكم الشعب، لزم عن ذلك منطقاً أن كل ما ليس بحكم للشعب فليس بحكم دمقراطي، سواء كان الحاكم به فرداً أو مجموعة من الأفراد، وحتى لو كان هو الخالق سبحانه.
لكنني تمشياً مع المبدأ الذي ذكرته ساناقشك في الدمقراطية بحسب فهمك الغالـط هذا لها، فاقول لك: إن كل هـذا الـذي ذكـرته هـو من مبادئ الحكم التي اختارها الغربيون، فصارت الدمقراطية في نظرك ليست حكم الشعب، ومنهم شعب بلدك، وإنما هي حكم الشعب الأمريكي أو الإنجليزي.
لقد تداول مفكرو الشعب الأمريكي وممثلوه مثلاً الرأي في نوع الحكم الذي يرونه صالحاً لبلادهم، وتأثروا في اختيار ما اختاروه بكبار الفلاسفة والمفكرين الأوروبيين، كما تأثروا بتاريخهم وقيمهم الدينية وغير الدينية، ثم اتفقوا بأغلبيتهم على وضع دستور يضمن تلك المبادئ. أما أنت فلا تريد لأمتك أن تفكر كما فكروا، بل تريد لها أن تكون أمة مقلدة تأخذ ما توصل إليه اولئك الأصلاء وتطبقه على بلدك مهما كان الاختلاف بينكم وبينهم.
ـ أنا لا أقول بما قلتُ؛ لأن الغربيين قالوا به، وإنما أقول به لأن تلك المبادئ الدمقراطية التي ذكرتها مبادئ إنسانية تصلح لكل البشر في كل زمان ومكان.
ـ هذا أولاً ليس بصحيح؛ فقد كان معظم المفكرين الغربيين ضدها، ولم تلقَ هذا القبول والشعبية إلا بعد الحرب العالمية الثانية؛ فهل تقول: إن الناس لم يكتشفوا شيئاً هو من لوازم بشريتهم إلا قبل من مئة عام؟ ثم إن المبادئ التي ذكرتها ليست من لوازم الدمقراطية بمعنى حكم الشعب، وليست من المتفق عليه بين كل الشعوب التي اخذت بالنظام الدمقراطي.
ـ هل تتكرم بذكر أمثلة لما ترى أنه ليس من لوازم الدمقراطية؟
ـ قد تستغرب إذا قلت لك إن النظام الحزبي ليس من لوازم الدمقراطية، وأن بعض من يسميهم الأمريكان بالآباء الذين صاغوا دستورهم كانوا ضدها وكانوا يعدُّونها مما يُذْكي الخلاف بين الناس ومما يؤدي إلى الفساد. ولذلك لا تجد لها ذكراً في دستورهم. وقد يزيد استغرابك إذا قلت لك إنه حتى الانتخابات ليست من لوازم الدمقراطية. إن كل ما تتطلبه الدمقراطية هو أن يختار الناس من يحكمهم. أما أن يكون الاختيار بهذه الطريقة المعينة؛ فليس من لوازم الدمقراطية.
ـ كيف يكون الاختيار إذن؟
ـ لقد كان الأثينيون يختارون المسؤولين بالاقتراع. ويرى بعض المفكرين الماركسيين اليوم أن طريقة الاقتراع أقرب إلى فكرة الدمقراطية التي تساوي بين الناس وتفترض أن كل واحد منهم من حقه أن يكون حاكماً، وهم يرون أن الانتخابات لا تحـقق هـذه المساواة؛ لأنها تفتح الباب لتأثير المال وتأثير الإعلام والدعايات، ويستدلون على عدم المساواة هذه بالنسبة الكبيرة للرجال في مقـابل النسـاء، وبالنـسبة الكبيـرة لمن له مال، أو لمن تخرَّج في الجامعات في مقابل طبقات العمال والمـزارعين والعامـة. ولـو كـنت ممن يـؤمن بـالدمـقراطية لاتفقت معهم.
ـ ننتقل إلى موضوع آخر. ألا ترى في الدمقراطية ما يتوافق مع الإسلام؟
ـ بلى فيها الكثير مما يتوافق مع الإسلام.
ـ فلماذا إذن لا نقول إن الدمقراطية التي نريدها هي هذه المبادئ الدمقراطية التي تتوافق مع ديننا؟
ـ لأنني لا أريد أن أنسب إلى الدمقراطية فضلاً ليس لها. فإذا كان ديني هو السابق إلى تلك المبادئ الحسنة؛ فلماذا أنسبها إلى الدمقراطية؟
ـ تنسبها إليها فقط؛ لأنها تتوافق معها.
ـ إن في النصرانية واليهودية الكثير مما يتوافق مع الإسلام مما هو أهم من تلك المبادئ السياسية التي ذكرنها، فهل نقول إن الإسلام نصراني أو يهودي؟
ـ هل تعني ان علينا أن لا نستفيد من تجارب غيرنا، وأن نغلق الباب دون كل فكر حديث وتجربة حديثة؟
ـ أنا لم أقل هذا، بل قلت لك: إن مثل هذه الاستفادة هي من لوازم الحكم بالقسط. لكنَّ هنالك فرقاً بين أن ألتزم بديني، ثم أستفيد من تجارب الآخرين فأضع كل جزئية استفدتها في إطاري الإسلامي، وبين أن أستبدل بإطاري الإسلامي إطاراً آخر، ثم أضع فيه ما يناسبه مما هو في ديني. وهذا الأخير هو ما تدعونا إليه أنتم معاشر الداعين إلى الدمقراطية.
ـ نسيت أن أسألك: ما المبادئ الدمقراطية التي ترى انها تتوافق مع الإسلام؟
ـ منها: مبدأ حق الأمة في اختيار حكامها؛ فيكفيك فيه هذه القصة التي أوردها الإمام البخاري في صحيحه والتي سنجتزئ كلمات منها لضيق المجال. قال عبد الرحمن بن عوف لابن عباس وهم في منى: «لو رأيت رجلاً أتى أميرَ المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين! هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً؟ ... ... فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشيةَ في الناس فمحذرهم من هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم(1). .. ... .... ... ... من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة(2) أن يُقْتَلا»(3).
ومنها المبدأ المسمى بحكم القانون، فيكفيك فيه قول الله ـ تعالى ـ: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]، وقوله ـ تعالى ـ: {فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152].
وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس! إنما ضل مَنْ كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها»(1).
ومنها مبدا الإباحة الذي يسمى الآن بالحرية؛ فإن المبدأ الإسلامي يقول: إن الأصل في الأشياء الدنيوية هو الإباحة. فالإنسان يتحرك ويتكلم، ويأكل ويشرب، ويبيع ويشتري حتى يقول له الدين: لا تفعل كذا أو كذا. وإذا كان الإسلام قد جعل الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ أعظم مهمة يقوم بها بشر، وإذا كان قد جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الصفات المميزة للمسلم؛ فكيف لا يبيح له أن يعبر عن نفسه؟ لكنها حرية في إطار القِيَم والأحكام الإسلامية كما أن الحرية في البلاد الغربية الدمقراطية هي في إطار قيمهم وقوانينهم.
ومنها ما صار يسمى بالشفافية. هل رأيت دليلاً عليها أصدق من أننا ما نزال نعرف كل ما دار من كلام بين المسلمين في الشؤون العامة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم - وفي عهد خلفائه الراشدين، بل نعرف كثيراً مما دار حتى بعد تلك العهود؟ ألسنا نعرف ما دار في اجتماع المسلمين لاختيار خليفة للرسول -صلى الله عليه وسلم -؟ ألسنا نعرف ما دار بينهم في أمر قتال المرتدين؟ ألسنا نعرف كيفية اختيارهم للخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه؟
ـ إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا تخلَّف المسلمون في عصورنا هذه في هذه الأمور؟ ولماذا عمت بلادهم إلا قليلاً الحكومات الاستبدادية؟
ـ هذه قصة طويلة لعلنا نناقشها في مناسبة أخرى. أما الآن فيكفي أن أذكِّركم بأن الدين إنما هو هداية وتوجيه، وأوامر ونواه؛ فليس فيه هو نفسه ما يجبر الناس على تطبيق ما يؤمرون به. فإذا كان هنالك من خطأ فهو في الناس وليس في دين الله. ثم إذا كان الناس لم يلتزموا بهذه المبادئ وهم يعلمون أنها من دين الله؛ فهل تظن أنهم سيلتزمون بها لأنها أتتهم من الغرب؟ إنه لا بد من عمل لإصلاح الأمة لتتقبل هذه المبادئ وتضحي في سبيلها.
ـ نحن ندعو إلى الدمقراطية؛ لأن فيها من الآليات ما يحول دون هذا الانحراف؟
ـ كلاَّ، ليس فيها شيء مما تتوهم، بل إن مفكريها يعترفون بأن النظم لا تصلح إلا بصلاح الأمم. وما يقال عن الإسلام يقال أسوأ منه عن الدمقراطية؛ فليس فيها ما يجبر الناس على الالتزام بكل مقتضياتها، ولذلك فإن أسوأ دكتاتور عرفه الغرب إنما جاء بانتخابات حرة، أعني هتلر، كما أن كثيراً من الحكومات المنتخبة كانت حكومات فاسدة. بل إن أكبر القرارات والسياسات الظالمة كانت في عصرنا هذا نتيجة قرارات دمقراطية لا شك في دمقراطيتها. فاستعمار الغربيين لكثير من بلدان العالم بما فيها البلدان الإسلامية كان نتيجة قرارات دمقراطية، وغزو أفغانستان ثم العراق وقتل الآلاف المؤلفة من الأبرياء وتخريب البلاد كان نتيجة قرارات دمقراطية لا يرتاب أحد في دمقراطيتها. فإذا كان ما حدث في العالم الإسلامي إنما يعزى إلى البشر لا إلى الدين؛ فإن كثيراً مما حدث في البلاد الغربية إنما كان شيئاً يأذن به المبدأ السياسي الذي يدينون به.
ـ كل هذا صحيح لا يماري فيه منصف. لكن أظنك تسلِّم معي بأنَّ هنالك شيئاً يُعزى إلى الدين نفسه.
ـ ما هو؟
ـ إن الإسلام يقر مبدأ اختيار الأمة لحاكمها، ولكنه لم يلزم المسلمين بطريقة معينة لاختيار الحاكم.
ـ وكذلك الامر في الدمقراطية. إنها إنما تقول إن الحكم للشعب، وهذا يقتضي أن يكون الشعب هو الذي يختار حكامه. لكن ليس فيها ما يقول إن الحكام أو النواب يجب أن يُختاروا بالطريقة الفلانية. ولذلك فإنهم يختلفون في ما ينهجون من وسائل لاختيار حكامهم.
ـ لكنها كلها تقوم على مبدأ الانتخابات.
ـ نعم لكن هذه هي الطريقة التي رأى الغربيون أنها مناسبة لهم في عصرهم هذا وفي ظروفهم هذه، وليست الطريقة التي تلزمهم بها الدمقراطية. والمسلمون يستطيعون أن يختاروا لأنفسهم من الوسائل ما يحقق مبدأ اختيارهم لحكامهم ذاكرين أن الحاكم في الإسلام إنما يُختار ليحكم بما أنزل الله لا برأي من انتخبوه، ملتزمين في ذلك بمبدأ الشورى كما أشار إلى ذلك الإمام ابن حجر في في كلمته التي نقلناها آنفاً. إن عدم تحديد الإسلام للطريقة التي يُختار بها الحاكم هي من محاسنه لا من نواقصه؛ لأن هذه الطرق تتأثر بالظروف والملابسات التي تتغير بتغير الزمان والمكان. ولذلك فإن الغربيين حتى مع اتفاقهم على مبدأ الانتخابات وجدوا أن للانتخابات صوراً شتى تختلف نتائج كل واحدة منها عن الأخرى، ولذلك اختلفوا في ما يتبنون منها. ولا داعي للدخول في تفاصيلها؛ فهي أمور معروفة.

المشاركات الشائعة